ابن أبي العز الحنفي

391

شرح العقيدة الطحاوية

يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها ، فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ . وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى الزمر : 42 - : لأن ملك الموت يتولى قبضها واستخراجها ، ثم يأخذها منه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب ، ويتولّونها بعده ، كل ذلك بإذن اللّه وقضائه وقدره ، وحكمه وأمره ، فصحّت إضافة التوفي إلى كل بحسبه . وقد اختلف في حقيقة النفس ما هي ؟ وهل هي جزء من أجزاء البدن ؟ أو عرض من أعراضه ؟ أو جسم مساكن له مودع فيه ؟ أو جوهر مجرد ؟ وهل هي الروح أو غيرها ؟ وهل الأمّارة ، و [ هل ] اللوّامة ، والمطمئنة - نفس واحدة ، أم هي ثلاثة أنفس ؟ وهل تموت الروح ، أو الموت للبدن وحده ؟ وهذه المسألة تحتمل مجلدا ، ولكن أشير إلى الكلام عليها مختصرا ، إن شاء اللّه تعالى : فقيل : الروح قديمة ، وقد أجمعت الرسل على أنها محدثة مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبّرة . وهذا معلوم بالضرورة من دينهم ، أن العالم محدث ، ومضى على هذا الصحابة والتابعون ، حتى نبغت نابغة ممن قصر فهمه في الكتاب والسنة ، فزعم أنها قديمة ، واحتج بأنها من أمر اللّه ، وأمره غير مخلوق ! وبأن اللّه أضافها إليه بقوله : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي الاسراء : 85 ، وبقوله : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي الحجر : 29 ، كما أضاف إليه علمه وقدرته وسمعه وبصره ويده . وتوقف آخرون . واتفق أهل السنة والجماعة أنها مخلوقة . وممن نقل الإجماع على ذلك : محمد بن نصر المروزي ، وابن قتيبة وغيرهما . ومن الأدلة [ على ] أن الروح مخلوقة ، قوله تعالى : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ الرعد : 18 والزمر : 62 ، فهذا عامّ لا تخصيص فيه بوجه ما ، ولا يدخل في ذلك صفات اللّه تعالى ، فإنها داخلة في مسمى اسمه . فاللّه تعالى هو الإله الموصوف بصفات الكمال ، فعلمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره وجميع صفاته - داخل في مسمى اسمه فهو سبحانه بذاته وصفاته الخالق ، وما سواه مخلوق ، ومعلوم قطعا أن الروح ليس هي اللّه ، ولا صفة من صفاته ، وإنما هي من مصنوعاته . ومنها قوله تعالى : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً الدهر : 1 . وقوله تعالى لزكريا : وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً مريم : 9 . والإنسان اسم لروحه وجسده ، والخطاب